كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وإنما ابتدئ بذكر قصة موسى ثم قصة إبراهيم على خلاف ترتيب حكاية القصص الغالب في القرآن من جعلها على ترتيب سبقها في الزمان، لعلَّهُ لأن السورة نزلت للرد على المشركين في إلحاحهم على إظهار آيات من خوارق العادات في الكائنات زاعمين أنهم لا يؤمنون إلا إذا جاءتهم آية؛ فضرب لهم المثل بمكابرة فرعون وقومه في آيات موسى إذ قالوا: {إنّ هذا لساحر مبين} [يونس: 2] وعُطف {وإذا نادى ربك موسى} عطفَ جملةٍ على جملة: {أوَ لم يَرَوْا إلى الأرض} [الشعراء: 7] بتمامها.
ويكون {إذ} اسم زمان منصوبًا بفعل محذوف تقديره: واذْكر إذ نادى ربّك موسى على طريقة قوله في القصة التي بعدها {واتل عليهم نبأ إبراهيم} [الشعراء: 69].
وفي هذا المقدّر تذكير للرسول عليه الصلاة والسلام بما يسلّيه عما يلقاه من قومه.
ونداء الله موسى الوحيُ إليه بكلام سمعه من غير واسطة ملَك.
جملة: {أن ائت القوم الظالمين} تفسير لجملة: {نادى}، و{أَنْ} تفسيرية.
والمقصود من سَوق هذه القصة هو الموعظة بعاقبة المكذبين وذلك عند قوله تعالى: {فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر} إلى قوله: {وإن ربّك لهو العزيز الرحيم} [الشعراء: 63 68].
وأما ما تقدم ذلك من قوله: {وإذ نادى ربك موسى} إلخ فهو تفصيل لأسباب الموعظة بذكر دعوة موسى إلى ما أُمر بإبلاغه وإعراضضِ فرعون وقومِه وما عقبَ ذلك إلى الخاتمة.
واستحضار قوم فرعون بوصفهم بالقوم الظالمين إيماء إلى علة الإرسال.
وفي هذا الإجمال توجيه نفس موسى لترقب تعيين هؤلاء القوم بما يبينه، وإثارةٌ لغضب موسى عليهم حتى ينضمّ داعي غضبه عليهم إلى داعي امتثال أمر الله الباعِثِه إليهم، وذلك أوقع لكلامه في نفوسهم.
وفيه إيماء إلى أنهم اشتهروا بالظلم.
ثم عقب ذلك بذكر وصفهم الذاتي بطريقة البياننِ من القوم الظالمين وهو قوله: {قوم فرعون}، وفي تكرير كلمة {قوم} موقع من التأكيد فلم يقل: ائت قوم فرعون الظالمين، كقول جرير:
يا تيم تيمَ عدي لا أبا لكم ** لا يُلْفينَّكُمُ في سَوْأة عُمَرُ

والظلم يعم أنواعه، فمنها ظلمهم أنفسهم بعبادة ما لا يستحق العبادة، ومنها ظلمهم الناسَ حقوقهم إذ استعبدوا بني إسرائيل واضطهدوهم، وتقدم استعماله في المعنيين مرارًا في ضد العدل.
{ومن أظلم مِمّن مَّنَع مساجدَ اللَّه} في البقرة (114)، وبمعنى الشرك في قوله: {الذين آمنوا ولم يلبِسوا إيمانهم بظلم} في الأنعام (82).
واعلم أنه قد عدل هنا عن ذكر ما ابتدىء به نداء موسى مما هو في سورة طه (12 23) بقوله: {إني أنا ربّك فاخلَع نعليك} إلى قوله: {لنُريَكَ من آياتنا الكبرى} لأن المقام هنا يقتضي الاقتصار على ما هو شرح دعوة قوم فرعون وإعراضهم للاتّعَاظ بعاقبتهم.
وأما مقام ما في سورة طه فلبيان كرامة موسى عند ربّه ورسالته معًا فكان مقام إطناب مع ما في ذلك من اختلاف الأسلوب في حكاية القصة الواحدة كما تقدم في المقدمة السابعة من مقدمات هذا التفسير.
والإتيان المأمور به هو ذهابه لتبليغ الرسالة إليهم.
وهذا إيجاز يبيّنه قوله: {فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين} [الشعراء: 16]. إلى آخره.
وجملة: {ألا يتقون} مستأنفة استئنافًا بيانيًا لأنه لمّا أمره بالإتيان إليهم لدعوتهم ووصَفَهَم بالظالمين كان الكلام مثيرًا لسؤالٍ في نفس موسى عن مَدى ظلمهم فجيء بما يدل على توغّلهم في الظلم ودوامهم عليه تقوية للباعث لِموسى على بلوغ الغاية في الدعوة وتهيئة لتلقِّيه تكذيبَهم بدون مفاجأة، فيكون {ألا} من قوله: {ألا يتقون} مركبًا من حرفين همزة الاستفهام ولا النافية.
والاستفهام لإنكار انتفاء تقواهم، وتعجيب موسى من ذلك، فإن موسى كان مطّلعًا على أحوالهم إذ كان قد نشأ فيهم وقد عَلم مظالمهم وأعظمها الإشراك وقتلُ أنبياء بني إسرائيل.
ويجوز أن يكون {ألا} كلمةً واحدة هي أداة العرض والتحضيض فتكون جملة: {ألا يتقون} بيانًا لجملة {ائت}.
والمعنى: قل لهم: ألا تتقون.
فحكى مقالته بمعناها لا بلفظها.
وذلك واسع في حكاية القول كما في قوله تعالى: {ما قلتُ لهم إلاَّ ما أمرتني به أن اعبُدُوا الله ربّي وربّكم} [المائدة: 117] فإن جملة: {أن اعبُدوا الله} مفسرة لجملة {أمرتني}.
وإنما أمره الله أن يعبدوا الله ربّ موسى وربهم، فحكى ما أمره الله به بالمعنى.
وهذا العرض نظير قوله في سورة النازعات (18) {فقل هل لك إلى أن تزكّى}.
والاتّقاء: الخوف والحذر، وحذف متعلق فعل {يتقون} لظهور أن المراد: ألا يتقون عواقب ظلمهم.
وتقدم في قوله تعالى: {الذين عاهدتَ منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون} في سورة الأنفال (56).
ويَعلم موسى من إجراء وصف الظلم وعدم التقوى على قوم فرعون في معرض أمره بالذهاب إليهم أن من أول ما يبدأ به دعوتَهم أن يدعوهم إلى ترك الظلم وإلى التقوى.
وذكر موسى تقدم عند قوله تعالى: {وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة} في سورة البقرة (51).
وتقدمت ترجمة فرعون عند قوله تعالى: {إلى فرعون وملائه} في الأعراف (103).
{قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12)}.
افتتاح مراجعته بنداء الله بوصف الربّ مضافًا إليه تحنين واستسلام.
وإنما خاف أن يكذبوه لعلمه بأن مثل هذه الرسالة لا يتلقاها المرسَل إليهم إلا بالتكذيب، وجَعَل نفسه خائفًا من التكذيب لأنه لما خلعت عليه الرسالة عن الله وَقَر في صدره الحرص على نجاح رسالته فكان تكذيبه فيها مخوفًا منه.
و{يضيق صدري} قرأه الجمهور بالرفع فهو عطف على {أخاف} أو تكون الواو للحال فتكون حالًا مقدرة، أي والحال يضيق ساعتئذ صدري من عدم اهتدائهم.
والضَيق: ضد السعة، وهو هنا مستعار للغضب والكمد لأن من يعتريه ذلك يحصل له انفعال وينشأ عنه انضغاط الأعصاب في الصدر والقلب من تأثير الإدراك الخاص على جمع الأعصاب الكائن بالدماغ الذي هو المُدرك فيحس بشبه امتلاء في الصدر.
وقد تقدم عند قوله تعالى: {يجعلُ صدرَه ضيّقًا حرجًا} [الأنعام: 125] وقوله: {وضائق به صدرُك} في سورة هود (12).
والمعنى: أنه يأسف ويكمد لتكذيبهم إياه ويجيش في نفسه روم إقناعهم بصدقه، وتلك الخواطر إذا خطرت في العقل نشأ منها إعداد البراهين، وفي ذلك الإعداد تكلّف وتعب للفكر فإذا أبانها أحس بارتياح وبشبه السعة في الصدر فسمى ذلك شرحًا للصدر، ولذلك سأله موسى في الآية الأخرى قال: {ربّ اشرح لي صدري} [طه: 25].
والانطلاق حقيقته مطاوع أطلقه إذا أرسله ولم يحبسه فهو حقيقة في الذهاب.
واستعير هنا لفصاحة اللسان وبيانه في الكلام، أي ينحبس لساني فلا يبين عند إرادة المحاجة والاستدلاللِ وعطفه على {يضيق صدري} ينبىء بأنه أراد بضيق الصدر تكاثر خواطر الاستدلال، في نفسه على الذين كذبوه ليقنعهم بصدقه حتى يحسّ كأن صدره قد امتلأ، والشأن أن ذلك ينقُص شيئًا بعد شيء بمقدار ما يفصح عنه صاحبه من إبلاغه إلى السامعين، فإذا كانت في لسانه حبسة وعِيٌّ بقيت الخواطر متلجلجة في صدره.
والمعنى: ويضيق صدري حين يكذبونني ولا ينطلق لساني.
وقرأ الجمهور: يضيقُ.
{ولا ينطلقُ} مرفوعين عطفًا على {أخاف} ولذلك حقّقه بحرف التأكيد لأنه أيقن بحصول ذلك لأنه جبلي عند تلقي التكذيب، ولأن أمانة الرسالة والحرص على تنفيذ مراد الله يحدث ذلك في نفسه لا محالة، وإذ قد كان انحباس لسانه يقينًا عنده لأنه كان كذلك من أجل ذلك التيقن كان فعلا {يضيق} {ولا ينطلق} معطوفين على ما هو محقق عنده وهو حصول الخوف من التكذيب، ولم يكونا معطوفين على {يكذبون} المخوف منه المتوقع على أن كونه محقق الحصول يجعله أحرى من المتوقع.
وقرأ يعقوب {ويضيقَ} {ولا ينطلقَ} بنصب الفعلين عطفًا على {يكذبون}، أي يتوقع أن يضيقَ صدره ولا ينطلقَ لسانُه.
قيل كانت بموسى حُبسة في لسانه إذا تكلم.
وقد تقدم في سورة طَه وسيجيء في سورة الزخرف.
وليس القصد من هذا الكلام التنصل من الاضطلاع بهذا التكليف العظيم ولكن القصد تمهيد ما فرعه عليه من طلب تشريك أخيه هارون معه لأنه أقدر منه على الاستدلال والخطابة كما قال في الآية الأخرى {وأخي هارون هو أفصح مني لسانًا فأرسله معي} [القصص: 34].
فقوله هنا {فأرسل إلى هارون} مُجمل يبيّنه ما في الآية الأخرى فيعلم أن في الكلام هنا إيجازًا.
وأنه ليس المراد: فأرسل إلى هارون عِوَضًا عني.
وإنما سأل الله الإرسالَ إلى هارون ولم يسأله أن يكلّم هارون كما كلّمه هو لأن هارون كان بعيدًا عن مكان المناجاة.
والمعنى: فأرسل مَلَكًا بالوحي إلى هارون أن يكون معي.
وقوله: {ولهم عليَّ ذنب فأخاف أن يقتلون} تعريض بسؤال النصر والتأييد وأن يكفيه شرّ عدوّه حتى يؤدي ما عهد الله إليه على أكمل وجه.
وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: «اللهم إني أسألك نصرك ووعدَك اللهم إن شئت لم تعبد في الأرض».
والذنب: الجُرم ومخالفة الواجب في قوانينهم.
وأطلق الذنب على المؤاخذة فإن الذي لهم عليه هو حقّ المطالبة بدم القتيل الذي وكزه موسى فقضَى عليه، وتوعده القبط إن ظفروا به ليقتلوه فخرج من مصر خائفًا، وكان ذلك سببَ توجهه إلى بلاد مَدْيَن.
وسمّاه ذَنْبًا بحسب ما في شرع القبط، فإنه لم يكن يومئذ شرع إلهي في أحكام قتل النفس.
ويصح أن يكون سمّاه ذنبًا لأن قتل أحد في غير قصاص ولا دفاع عن نفس المُدافع يعتبر جرمًا في قوانين جماعات البشر من عهد قتل أحد ابني آدم أخاه، وقد قال في سورة القصص (15، 16) {قال هذا من عمل الشيطان إنه عَدوّ مُضِلّ مبين قال ربّ إنّي ظلمتُ نفسي فاغفر لي} وأيًّا مَّا كان فهو جعله ذنبًا لهم عليه.
وقوله: {فأخاف أن يقتلون} ليس هَلَعًا وفرقًا من الموت فإنه لما أصبح في مقام الرسالة ما كان بالذي يبالي أن يموت في سبيل الله؛ ولكنه خشي العائق من إتمام ما عُهد إليه مما فيه له ثواب جزيل ودرجة عليا.
وحذفت ياء المتكلم من {يقتلون} للرعاية على الفاصلة كما تقدم في قوله تعالى: {وإيايَ فارهبون} في سورة البقرة (40).
وذكر هارون تقدم عند قوله تعالى: {وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون} في سورة البقرة (248).
{قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (15)}.
{كلاَّ} حرف إبطال.
وتقدم في قوله تعالى: {كلا سنكتب ما يقول} في سورة [مريم: 79].
والإبطال لقوله: {فأخاف أن يقتلون} [الشعراء: 14]، أي لا يقتلونك.
وفي هذا الإبطال استجابة لما تضمنه التعريض بالدعاء حين قال: {وَلَهم عليَّ ذنب فأخاف أن يقتلون} [الشعراء: 14].
وقوله: {فاذهبا بآياتنا} تفريع على مُفاد كلمة {كلاّ}.
والأمر لموسى أن يذهبَ هو وهارُون يقتضي أن موسى مأمور بإبلاغ هارون ذلك فكان موسَى رسولًا إلى هارون بالنبوءة.
ولذلك جاء في التوراة أن موسى أبلغَ أخاه هارون ذلك عندما تلقّاه في حوريب إذ أوحى الله إلى هارون أن يتلقاه، والباء للمصاحبة، أي مصاحبَيْن لآياتنا، وهو وعد بالتأييد بمعجزات تظهر عند الحاجة.
ومن الآيات: العصا التي انقلبت حية عند المناجاة، وكذلك بياض يده كما في آية سورة [طه: 17] {وما تلك بيمينك يا موسى} الآيات.
وجملة: {إنا معكم مستمعون} مستأنفة استئنافًا بيانيًا لأن أمرهما بالذهاب إلى فرعون يثير في النفس أن يتعامى فرعون عن الآيات ولا يَرعوي عند رؤيتها عن إلحاق أذى بهما فأجيب بأن الله معهما ومستمع لكلامهما وما يجيب فرعونُ به.
وهذا كناية عن عدم إهمال تأييدهما وكفِّ فرعون عن أذاهما.
فضمير {معكم} عائد إلى موسى وهارون وقوم فرعون.
والمعية معية علم كالتي في قوله تعالى: {إلاّ هو معهم أين ما كانوا} [المجادلة: 7].
و{مستمعون} أشدّ مبالغة من سامعون لأن أصل الاستماع أنه تكلف السماع والتكلف كناية عن الاعتناء، فأريد هنا علم خاص بما يجري بينها وبين فرعون وملئه وهو العلم الذي توافقه العناية واللطف.
والجمع بين قوله: {بآياتنا} وقوله: {إنا معكم مستمعون} تأكيد للطمأنة ورباطة لجأشهما. اهـ.